محمد أبو زهرة
1979
زهرة التفاسير
وإذا كان ما قالوا باطلا ، لا يمت إلى الحق بسبب ، فالحق هو ما قرره الله تعالى في قوله تعالت كلماته . إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ صدر الكلام بأداة القصر ، وهي « إنما » ومعنى القول ليس المسيح عيسى ابن مريم إلا رسول الله أرسله لهداية الحق ، وهو قد نشأ بكلمته ، ونفخ بروح منه في مريم ، فكان من بعد بشرا سويا ، وهو في إيجاده آية قدرة الله تعالى على الخلق من غير تقيد بالأسباب التي تجرى بين الناس ، فهو سبحانه خالق الأسباب والمسببات بديع السماوات والأرض وليس له ولد : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 ) [ الإخلاص ] . ولا بد أن نتعرض بقليل من البيان لثلاث عبارات : الأولى - التعبير ب الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ والثانية وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ والثالثة وَرُوحٌ مِنْهُ فقد تعلقت الأوهام بالعبارتين الأخريين ، فوجب بيانهما ، مع أن في الأولى إزالة لأوهامهم . أما العبارة الأولى ، وهي الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فإن الله تعالى قد ذكر أنه المسيح ، وأنه عيسى ، وأنه ابن مريم ، فأما الأول فهو الاسم الذي يذكر به في القرآن ، وذكر بجواره عيسى للإشارة إلى أنه شخص ككل الشخوص فيه إشارة إلى بشريته ، والتصريح بالبشرية في قوله تعالى « ابْنُ مَرْيَمَ » فهو مولود خرج من رحم أنثى ، كما يخرج الأولاد من أمهاتهم ، وإذا كان لم يخرج من صلب أب ، فإنه قد خرج من رحم أم ، وحسبنا ذلك دليلا على البشرية المطلقة ، وفي ذكر الأم من غير ذكر أب دليل على أنه لا ينتسب إلى أب قط ، فليس ابن يوسف النجار ، وليس ابن الله ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا . والعبارة الثانية ، وهي كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ فإن الكلمة هنا قد تكون مجملة ، ولكنها ذكرت في آيات مبينة ، ذكرت في مواضع مختلفة من القرآن الكريم ، فقد قال تعالى في شأن خلق عيسى عليه السلام : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ